الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
346
نفحات القرآن
إنّ هذا الحديث لا يعني ترك كسب العلم ، والاكتفاء بتهذيب النفس - كما يقول بعض الصوفية وأشخاص منحرفون - بل المراد هو أنّ التقوى تهييء الأرضية لكسب العلم الحقيقي أشبه ما يكون بالأرض الخصبة والمُعدَّة لبذر البذور . صحيح أنّ جملة « اتقوا اللَّه » ليست شرطاً وأن جملة « يعلمكم اللَّه » ليست جزاء لها ( ولهذا أنكر البعض العلاقة بين التقوى والعلم المستفادة من هذه الآية ) ، لكن ممّا لا شك فيه هو أن اقتران أحدهما بالآخر لم يكن اعتباطاً ، بل هو تلميح إلى العلاقة الموجودة بين هذين الاثنين ، وإلّا فيعرض انسجام الآية للسؤال . جج إنّ رابع وآخر آية بيّنت العلاقة بين التقوى والمعرفة بوضوح ، فبينت ثلاثة أجور للذين يتقون اللَّه ويؤمنون برسوله . الأول يؤتيهم اللَّه كفلَيْنِ أو نصيبين من رحمته ، نَصيباً لإيمانهم ونصيباً لتقواهم ، أو نَصيباً لأجل إيمانهم بالأنبياء السالفين ونصيباً لأجل إيمانهم بالرسول صلى الله عليه وآله ، وبالرغم من أنّ المخاطبين في الآية مؤمنون إلّاأنّ اللَّه يأمرهم أن يؤمنوا بالرسول صلى الله عليه وآله ، كما أنّ شأن نزول الآية يبيّن أنّها بصدد فريق من نَصارى الحبشة الذين سمعوا القرآن وآمنوا بنبي الإسلام صلى الله عليه وآله « 1 » . والثاني : هو جعل اللَّه لهم نوراً - لأجل ايمانهم وتقواهم - يهتدون به في صراطهم : « وَيَجْعَلْ لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ » . وبالرغم من أنّ البعض أراد تقييد مفهوم الآية والقول بأنّ النور الذي ذُكِرَ فيها إشارة إلى النور الذي يسعى بين أيدي المؤمنين وبإيمانهم في يوم القيامة ( كما تشير إلى ذلك الآية 12 من سورة الحديد : « يَوْمَ تَرَى الْمُؤمِنِينَ وَالْمُؤمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَينَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم » ) . ( الحديد / 12 ) لكن لا دليل لهم على هذا التقييد ، بل إنّ مفهومها - وكما يقول صاحب الميزان - واسع
--> ( 1 ) « الكِفْل » ما يعيل الإنسان ويرفع حاجته ، ويعتقد البعض أنّ هذه المفردة حبشية دخيلة على العربية .